|

ان مظلمة المسجد الأقصى هي قضية في دماء كل المسلمين المخلصين لدينهم, و مهما اسكبنا من الحبر على صفائح الأوراق لنعبر عن حق هذه القضية فنحن مقصرين بحقها, فما الفائدة ان هزت الكلمات ما بداخلنا من مشاعر, و هيضت ما في حنايانا من شجون, و زاد جراحنا على مد المتون, و فجرت مدامعنا سد الجفون, و سالت عبرتانا تدواي الطعون؟ اذا لم تكن هناك وقفة صماء تدك من هيبتها جبالا و تجف من حرها العيون.
فما قد شهدنا من فخر و هوان في نفس الوقت هو ذهاب أساطيل الحرية لفك الحصار المقام على غزة باسم الانسانية لا القوة و العنف و ان كان ذلك حقا لا بد منه. و لكن ما العمل اذا كان الطغيان الصهيوني قد فقد قواميس الانسانية من كتبه و معتقادته, و استبدلهم بمفاهيهم الوحشية, كلا فالوحشية ربما تحتوي في جوفها شئ من الرحمة و لو كذبا, و لكنهم ذهبوا الا ماواراء الوحشية و الاانسانية بمفاهيم من القسوة و الغدر, و يعجز أعظم معاجم اللغة العربية من تاج العروس و لسان العرب بأن يجد لأفعالهم مفردة توفي حق طغيان هؤلاء الخلق, عفوا نقصد هؤلاء البلاء.
و كانت تلك الاساطيل مفخرة للأمة و خاصة انه كان من بينها دول اسلامية كالكويت و الجزائر و شعب تركيا الاسلامي, الذين شرفوا الاسلام بجرأتهم ومغامرتهم بحايتهم و أنفسهم في سبيل تمويل الشعب الفلسطيني بالمأونة و الغذاء. انهم أناس من جلدتنا يعتقدون ما نعتقد و يؤمنون بما نؤمن, الا أن الله قد مدهم و أكرمهم بالايمان و الثبات على أن يذهبوا الى ذلك المعتقل البهيمي بكل صبر و تفاؤل لأجل تحقيق الغاية السامية و هي اعانة المستضعفين في غزة.
و لكن سرعان ما انقضت حثالة أسماك القرش النتنة و احاطت و التفت حول الأساطيل رافعة أذناب الخزي باسم الحماية, فرحبو بهم خير تريحب و قاموا و حييوهم برصاصات النار و أكرموهم ببعض الجروح و ضيفوهم بسجون الذل, أذلهم الله في الدنيا و الآخرة. و ما كان استاجبة أخواننا المسلمون الى هؤلاء الخلق الدني الا كلمة واحدة "ان الله معنا" لانهم كانوا مفرغين من أي سلاح لأهدافهم السلمية. و أنجى الله معظمهم من تلك المحنة و من هنا نستذكر موقف الحبيب صلواة ربنا و سلامنا عليه مع الصديق رضي الله عنه داخل الغار, قال تعالى: ( إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (التوبة,40). و ثبتهم الله في تلك الأساطيل بفضل دعواتهم و دعواة المسلمين, و ان لم يكن ذلك نصرا معتبرا و لكنه كان نجاةَ و انشاء الله هو بداية النصر, خاصة بعد التفاعل و الانتفاضات الملحوظة من شعوب العالم و الدول الاسلامية. فاذا كان ظلام الليل دامس و طويل, أليس الصبح بقريب!
فلنستعين بالله و لنستبشر خيرا في هذه الأمة التي على أكتافها ستحل قضية الأقصى باذن الواحد الأحد. فرجائنا و منائنا بالمسلمين هو أن نكون صفا واحدا لا يزعزعه أي حزب, أو تيار, أو فتنة و حقد و كراهية بين بعضنا البعض. و اذا اردنا النهوض بامتنا فلنكن حزبا واحدا كما قال تعالى : (وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) (المائدة,56). فهكذا قاد الحبيب المصطفى أمتنا العظيمة الى النهضة و العزة بفضل وحدة المسلمون و لم يقل "هذا الصاحبي من داخل أسوار المدينة و ذاك الصاحبي من خارج أسوار المدينة و هذا من أبناء بطن مكة و ذاك من ظهرها, حاشاه عن ذلك جل شأنه و مقامه!!" فآخا بين الماهجرين و الأنصار, و بين أبي الدرداء و سلمان الفارسي, و بين عبيدة ابن الحارث و بلال الحبشي. ففارق النسب و الانتماء و العرق مُزق بسيف وحدة الدين. و لن تحل أزمة الأقصى الا بالوحدة و الالتئام بصف واحد. فالكثير من المسلمين يجعل من انتامئاته و نسبه و وطنيته أولية لا يتنازل عنها لصالح مصلحة الامة و اتباع وصايا النبي عليه أفضل الصلاة و السلام.
*شرفنا مدير التحرير الزميل عبدالله الابراهيم بسعيه هو و اخواننا الكويتيون لأغاثة أخواننا الفلسطينيون في غزة و سعيهم لفك الحصار المقام عليهم, و هذا أبدا ليس بغريب على شعب الكويت الذين يعتبرون هم خير مثال يحتذى به لمن أراد أن يتعلم حب الاغاثة و عمل الخير و مساعدة كل محتاج, مسلمون كانوا أم كفار. و نسأل الله منهم القبول على هذا العمل الانساني الاسلامي الشريف لنصرة أخوانهم في فلسطين.
و نختم بياننا بحديث طاهر خرج من فم طاهرة, قال عليه الصلاة و السلام( مثل المؤمنين كمثل الجسد الواحد اذا اتشكى من عضوا تداعى له سائر الجسد بالسهر و الحمى). فلنعي ما هو أساس موقمات نهوض هذه الأمة.
|