|
بداية فخير ما يبدأ به الحديث هو الصلاة على اشرف الخلق محمد صلى الله عليه و على اله و صحبه اجمعين. و الحمد لله على نعمه علينا و اولها اسلامنا الذي اعز الله به امتنا و رفع به مقدارنا. و الحمد لله على صلاح حكامنا و من شارك معهم في وضع المادة الثانية من الدستور و اختيار افضل الاديان ليكون منهج و مصدر رئيسي لتشريع قوانيننا و ادارة حياتنا.
اما بعد,
فنحن اليوم نعيش في زمن غريب. تغيرت فيه المفاهيم و زادت فيه التناقضات بين الناس و غاب المنطق عن المتعلم قبل الجاهل. فما دعاني للكتابة اليوم هو شدة استغرابي من منطق الكثيرين ممن يدعون التحرر و والليبرالية و تناقض اطروحاتهم، فتجدهم مسلمين يصلون و يزكون و يحجون, و يناقضون دينهم الذي هم مؤمنون فيه في نفس الوقت.
فهل صاروا يختارون ما يعجبهم من الدين و يرفضون و بشده كل ما لا يعجبهم؟! و كيف يجتمع حب الشخص و اعتناقه لأي منهج و المطالبة بفصله عن التشريع و انتقاده و التشكيك في صلاحه كمنهج فيه نفس الوقت؟
وصاروا يقنعوننا و كل محب لمنهج الله بان اختيارنا لديننا في تشريعنا هو مجرد حب زائد لهذا الدين الذي على وصفهم فهو صالح على مستوى الفرد و علاقته مع ربه فقط وليس بمنهج اجتماعي سياسي و اقتصادي صالح لكل زمان و مكان كما انزله عز وجل، ناسين أو متناسين حرمة عدم تحكيمه و عزله عن حياتنا السياسية في الآيات القرآنية ) وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) فالأمر ليس تفضيل أو حب زائد! بل هو امتثال لأوامر الرحمن مثلما نمتثل لأمره في الصلاة و الصيام و باقي العبادات.
فوصل فيهم التناقض لدرجة انزعاجهم و هجومهم على زيادة مادة القران الكريم في المراحل الدراسية , و الاعتراض على توقيت الخطاب الأميري في العشر الأواخر، وحتى على المتبرعين والناشطين في أسطول الحرية – وهو أمر انساني بالدرجة الأولى قبل أن يكون أي أمر آخر- و الهجوم على تنظيم الدروس الدينية الهادفة للدعوة للخشوع في الصلاة (بعيدا عن السياسة) و رفض تزين الحيطان و المدارس بالآيات القرآنية الشريفة و حتى عدم تقبل دعوة أو مناداة المسلم بمسلم!
و الغريب أنهم ينعتون كل من يحاول أن يطبق المادة الثانية من الدستور و أن يحكم الدين في أي أمر بالمنافق أو المتاجر بالدين أو الرافض للقوانين المدنية و الدستور. ولا اعلم ماذا يصح تسمية المسلم الذي يدعي حماية الدستور و يطالب بتنزيهه و حمايته من أي مساس, ثم يرفض الامتثال لأحد أهم مواده.
و العجيب في الأمر أننا ورغم هجومهم و مطالباتهم فإننا لا نعيش في دولة تستمد كل قوانينها من الدين. بل تقتصر القوانين المستمدة من الدين على القليل من الأمور مثل أحكام الميراث و الزواج وبعض الأمور الأخرى مثل ما يستجد من أمور في مجلس الأمة. و تطغى القوانين الغربية على باقي المجالات الأخرى. و لكنهم يريدون تجريدنا حتى من هذه القوانين القليلة. و يرعبون الناس بترديد أن نية من يريد أي قوانين مستمدة من الدين أن يجعل الكويت سعودية. و برغم من عدم صحة هذا الكلام (لعدم اعجاب الأغلبية العظمى من غير الليبراليين بالسعودية) إلا أننا نلاحظ أنهم يستخدمون هذا الأسلوب الترهيبي للوصول الى غايتهم.
وليس ذلك وحسب. بل صاروا أفضل الناس في تصعيد الفتن و التشكيك في كل ما هو محلل و محرم! حتى ان بعضهم ينتقد و يسخر من كل فتوى تصدر عن اي شيخ! و ينعتون علماء الدين و كل من اتبعهم بالمتحجرين المتخلفين! متناسين أول و أهم مبدأ عندهم و هو حرية الرأي و احترامه و كأنها مخصصة فقط لمن يوافقهم في الرأي! ليكملون في ذلك مسيرة التناقض.
ويبسطون لنا حلول مشاكل بلادنا بالعلمانية. و انها هي الدواء الشافي من كل داء. و انها هي من سيخلصنا من المشاكل الطائفية. متناسين كذلك الامثله الحية لنا في الدول العلمانية. و كيف شنت هذه الحكومات الحملات الشرسة و القوانين البغيته للنيل من كل من ترتدي الحجاب أو النقاب و حتى مؤذن المساجد و ظلم المسلمين في المحاكم و اتهامهم بما لم يفعلوه، واضعين كل شعاراتهم و حرياتهم جانبا عند الحديث عن قضايا المسلمين.
ولكني لازلت ألاحظ زيادة الأصوات المنادية في الليبرالية و العلمانية. و اتسائل في نفسي، أهي "صحوة" ليبرالية؟ أهي حركة منظمة تقوم على التركيز على "لبرلة" فئة الشباب عن طريق اقناعهم بسوء ممارسات كل من هم ليسوا بلبراليين و اقناعهم ان مصلحة البلد هي بتجريده من كل ما هو اسلامي؟
نحن نتفق مع الليبراليون في سوء ممارسات الكثير ممن يمثلون التيار الديني. ولكن هل الحل فعلا بالليبرالية؟ و اذا كنا ممارسين للاسلام و نعشقه مثل ما يصرح الكثيرون و لكنا نرى مصلحة بلادنا اهم. اليس من الاولى ان نتعاون جميعا في تصحيح مسار هذا التوجه بدلا من ان نتجه الى ال"اكستريم" الاخر؟ فاذا كنا سنصلح ما فعله اقصى اليمين الفكري بتوجهنا لأقصى اليسار فلا طبنا و لا غدا الشر..
|