|

قد لا يختلف معي أحد إذا قلت: إنه قد يتغير مسار حياة شخص ما بمجرد سماعه كلمة أثرت فيه من شخص آخر.
دخل علينا أستاذ جامعي، وفي أول يوم دخل فيه الفصل وعلى وجهه علامات الإرهاق وثقل كاهل الحياة. قال: عندي لكم أعزائي الطلبة بشرى سارة!
هكذا بدأ الكلام فشد انتباهنا إليه وأخَذَنا الفضولُ لنستمع لما سيقول الدكتور بعناية. تابع يقول: أبنائي، يجب أن تعرفوا أنكم تعيشون أروع وأسعد مرحلة في حياتكم وهي الحياة الجامعية.
ثم تابع: أعرف أن بعضكم الآن يقول في نفسه: «إلهي إذا كانت هذه هي أفضل مراحل حياتي فلا خير في الباقي" لكن شئتم أم أبيتم أنتم تقضون مرحلة من أفضل مراحل العمر.
لم أتذوق فحوى تلك الكلمات حتى تخرجت من الجامعة وبدأت العمل ورأيت الفرق بين المرحلتين، الشاهد من هذا الحديث أن الطالب يقضي أجمل أيامه في الجامعة، في هذه المرحلة، يبدأ يتشكل الفكر، ويختار فيها الطالب مساره، وتتفجر مواهبه وطاقاته، وتظهر هويته، فيلتحق بالمنظمات الطلابية ويشارك في الأنشطة المختلفة، في خضم هذه الأعمال، قد يقع الطالب في شراك الحب وهو في مراحل الدراسة الأولى.
هنا تبدأ حياته تتغير، ويصبح «طالب عاشق»، في معظم الأحيان يكون هذا العشق كعشق المراهقين.
نعم، أرجوك لا تغضب عزيزي الطالب، فعلماء النفس عندهم عشق يسمى «رومانسية الشباب». يقع فيه معظم الشباب؛ لاندفاعهم في الحياة، وعدم تحملهم المسؤولية، في هذا العشق لا يُحَكِّم الشاب أو الشابة فيها العقل، بل عشقاً محضاً لا يعرف ما نهايته، كالفقاعة لا يكاد يكبر حتى ينفقع.
لكنه في هذا النوع من العشق، يكتسب فيه الطالب بعض الخبرة التي تجعله أكثر عقلانية إذا وقع في حب حقيقي في المستقبل.
وتأكيداً على أن حب المراهقين يغلب عليه التقليد الوهمي، هناك دراسات طويلة شاسعة، أجريت على البنات المراهقات في مجتمعات وحضارات كثيرة، وجدت الدراسةُ أن البنات المراهقات يقعن في الحب نتيجة تقليد ومحاكاة للمجتمع[1].
وهناك الكثير من حالات فشل المراهقين والشبان من الجنسين في حياتهم الدراسية يرجع إلى ذلك الحب السريع، الذي غالباً ما يكون فخّاً شيطانيّاً. فيصرف طاقات المراهق أو الشاب النشاطية التي كان يجب أن تسخر للنشاط الذهني واستيعاب الدروس، فيحولها إلى ارتسام لصورة الحبيب، يظل يسرح الطرف فيها في قاعات الدراسة، فلا يكاد يعي ما حوله، ويصبح كل ما حوله من مناحي الحياة الضرورية شيء ثانوي.
لا يمكن أن يكون هناك طالب لم يراوده الشعور بأنه قد حان له الوقت أن يحظى بشخص يعشقه، في هذه المرحلة، يغلب التردد عليه، إذ أنه يقف ويتسائل: هل أنا فعلا مستعد لتكوين علاقة تأخذ من وقتي وتشغلني؟ هل هذه العلاقة ستتوج بالزواج وهو ما يصبو إليه كل شخص، أم أنها ستكون مضيعة وقت وأحلام عصافير؟
مرحلة الدراسة عامة إذا افترضنا أن سن الطالب فيها من السابعة عشر إلى الحادي والعشرين، هي مرحلة الأوهام والخيالات العاطفية، ومعظم الحكايات التي يتبادلها عشاق الطلبة مغامرات لا أصل لها، يحكونها لبعضهم البعض على أنها مآس، و"دراما" حب عنيف يكتوون بنارها ويشتكون آلامها، هي في الواقع نزوة أو شهوة سريعة، السعيد من يمر بها من غير تورط في حماقات.
«سارة» من روائع الأدب العالمي، وملخص الرواية أن فتاة حباها الله بروح شفافة ورومانسية عاشقة، لكن تلك الروح كانت حبيسة جسد غير جميل. وكانت سارة تعيش قصص حب صديقاتها حدثا بحدث، أفراحهن وآلامهن، ثم تأوي كل يوم إلى فراشها والحسرة تقتلها ودموعها على وسادتها، تشتكي حظها العاثر لعدم وجود قصة حب بعدُ في حياتها، وتمر الأيام وتبدأ صديقاتها بالسؤال عما إذا كانت سارة قد مرت بقصة حب أو لحظات غرام في حياتها؟
أمام كل تساؤلات الصديقات اختلقت سارة المسكينة قصة جميلة ورائعة مرادها أن شابا أرسل لها رسالة، وهي من كتب تلك الرسالة!
كتبت تلك الرسالة بكل الشوق والألم الذي كانت تعيشه، حين قرأت سارة ما كتبت على صديقاتها تأثرن بها كثيراً وألحوا الطلب على سارة أن ترد على ذلك العاشق المتيم بأسرع وقت. وبالفعل كتبت سارة الرد على نفسها برسالة مؤثرة أيضاً. وهكذا تكتب لنفسها وترد في نفس الوقت وصديقاتها يستمعن إلى الرسائل والردود بشجن ومشاركة وجدانية. ولأن لكل شيء نهاية بدأن الصديقات في التساؤل عما إذا كان لحب سارة نهاية، كزواج مثلا، وكانت هي في آخر المطاف قد توصلت إلى وهم أنها فعلاً في قصة حب مع شاب آخر!
بعثت بعد ذلك رسالة إلى نفسها تطلب من الشاب اللقاء، لكنها ردت في الرسالة الأخرى أن الشاب يخبرها بنهاية المطاف وأنه لا بد من الفراق، وفي عز هذا الوهم لم تتحمل سارة رد الشاب لها مؤذنا بالفراق فانتحرت لذلك!
الحب الحقيقي معاشر الطلبة العشاق شعور ناضج وعميق، لا يمكن أن يأتي الرجل أو المرأة قبل العشرين؛ لأنه يحتاج إلى درجة كبيرة من النمو العقلي، ومن اكتمال الخبرة، أي تجربة عاطفية يدخلها الشاب بما تحويه من مواعيد وأحلام، ستترك في أعماقه حَيرة، وسيظل فهمها عنده ناقصاً إلى أن ينمو هذا الفهم من خلال علاقة حب عميقة ودائمة في إطار الزواج.
ومن الأمور التي تخفى على الطالب العاقل أن يرى أنه إذا لم يكن عنده خليل أو عشيق يحبه حبّاً شديداً، أنه غالبا لم يتلذذ في هذه الدنيا أبداً، وهذا مفهوم خاطئ وتلبيس إبليسي، وليعلم انه في زمن مجاهدة للهوى وتعلم العلم، فلا يفرط في وقته فيحصل الندم بعد حين.
وكثير من الطلبة يقعون في مستنقعات حب غير عفيف لمجرد أنهم يرون غيرهم يفعل ذلك. وهذا خطأ فادح، فليس بالضرورة أن كل طالب يجب أن يتمتع بمحبوب يتصل به ويحادثه. لا، لا أبدا، بل بالعكس، فمن المشاهد أن أكثر الطلبة الذين لا يمرون بتجربة علاقة قبل التخرج يحظون براحة بال أكثر و أداء أفضل في التحصيل الدراسي.
أثبتت دراسة علمية جديدة أجراها العلماء في كلية لندن الجامعية أن الأشخاص الذين يقعون في الحب ليسوا عمياناً فقط بل لا يفكرون على الإطلاق![2].
تقول نتائج الدراسة بعد أن أخذت عينة من أناس يعيشون حالة عميقة من الحب: إن الحب نشط أجزاء الدماغ المسؤولة عن الحدس والبديهة والشعور باضطرابات المعدة والاستجابات الدوائية ولكنه ثبط نشاط المناطق المسؤولة عن التفكير والإدراك.
وقال الخبراء: إن هذه الدراسة تؤكد بصورة قطعية أن الحب هو أحد وظائف الدماغ. وتعطي تفسيراً معقولاً للسبب الذي يكمن وراء التصرفات الغبية والحمقاء للمحبين الذين لا يستطيعون الحكم جيداً على الأشياء؛ بسبب ضعف نشاط المنطقة الدماغية المسؤولة عن ذلك.
وإذا كان الحب يعطل تفكير الإنسان، يرى الباحثون أن من المستحسن عدم الوقوع في الحب إذا كنت طالباً أو معلماً أو محاضراً جامعيّاً أو عالماً!
[1] سؤال في الحب (ج3 ص18) د. فوزية الدريع. [2] عن موقع علوم وتكنولوجيا.
|